سيد محمد طنطاوي
265
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لأشياء مختلفة ، على أوجه : واتفقوا على أن المراد بقوله : * ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) * وصف لشيء واحد ، وهم الملائكة . . . « 1 » . ويبدو لنا أن كون هذه الصفات جميعها لشيء واحد ، هو الملائكة ، أقرب إلى الصواب ، لأنه المأثور عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . ثم شرع - سبحانه - في بيان علامات القيامة وأهوالها فقال : * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ . . . ) * . والراجفة : من الرجف وهو الاضطراب الشديد ، والحركة القوية ، لأن بسببها تضطرب الأمور ، وتختل الشؤون . يقال : رجفت الأرض والجبال ، إذا اهتزت اهتزازا شديدا . والمراد بها : ما يحدث في هذا الكون عند النفخة الأولى التي يموت بعدها جميع الخلائق . والمراد بالرادفة : النفخة الثانية ، التي تردف الأولى ، أي : تأتى بعدها ، وفيها يبعث الموتى بإذن اللَّه - تعالى - ، يقال : فلان جاء ردف فلان ، إذا جاء في أعقابه . أي : اذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، يوم ينفخ في الصور فتضطرب الأرض وتهتز ، ويموت جميع الخلق ، ثم يتبع ذلك نفخة أخرى يبعث بعدها الموتى - بإذن اللَّه - تعالى - . وجملة « تتبعها الرادفة » في محل نصب على الحال من الراجفة . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّه ، ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ . وقوله - سبحانه - : * ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ . أَبْصارُها خاشِعَةٌ ) * بيان لما يترتب على قيام الساعة ، وبعث الخلائق ، من خوف ورعب . أي : قلوب كثيرة في هذا اليوم الهائل الشديد تكون في نهاية الاضطراب والفزع . يقال : وجف القلب يجف وجفا ووجيفا ، إذا ارتفعت ضرباته من شدة الخوف . . . وتكون أبصار أصحاب هذه القلوب خاشعة ، أي ذليلة مهينة ، لما يعتريهم من الفزع الشديد ، والرعب الذي لا حدود له . . . ولفظ « قلوب » مبتدأ ، وتنكيره للتكثير ، وقوله : * ( واجِفَةٌ ) * صفة للقلوب ، وجملة « أبصارها خاشعة » خبر ثان للقلوب . والمراد بهذه القلوب : قلوب المشركين الذين أنكروا في الدنيا البعث والجزاء ، فلما بعثوا
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 477 .